فضحت التحقيقات الإسبانية اتساع نشاط تهريب المخدرات المرتبط بالمغرب, بعدما تحولت تجارة الحشيش إلى قاعدة لنشاط إجرامي أكثر تعقيدا يمتد إلى الكوكايين وغسل الأموال, تشارك فيه شبكات تضم مواطنين مغربيين, فيما تواصل سلطات المخزن التعامل مع الظاهرة من موقع المتفرج على اقتصاد مواز يراكم العائدات ويوسع نشاطه خارج الحدود.
وفي أحدث مؤشر على هذا التمدد, أوردت صحيفة "إل باييس" الاسبانية أن شبكات المخدرات الناشطة في منطقة مضيق جبل طارق اعتمدت أساليب جديدة لغسل عائداتها, مستبدلة إخفاء الأموال نقدا بإنشاء شركات وواجهات تجارية والاستعانة بوسطاء والاستثمار في المطاعم والترفيه, إلى جانب استخدام العملات المشفرة.
وحددت التحقيقات 18 شركة وهمية مرتبطة برجال أعمال متهمين بغسل أموال و بتجارة المخدرات, بما يوضح كيف تحولت العائدات الإجرامية إلى أداة للتمدد داخل الاقتصاد. ومن هذه الحلقة المالية, يقود المسار إلى مصدر رئيسي لهذه الثروات, وهي تجارة الحشيش القادم من المغرب, التي وفرت للشبكات خبرة متراكمة في النقل والتخزين والتمويل.
ومع توفر هذه البنية, لم يعد النشاط محصورا في الحشيش, بل انتقل إلى الكوكايين, حيث ترتفع الأرباح وتتسع قدرة التنظيمات على تمويل عمليات أكثر تعقيدا. وفي هذا الإطار, جاءت عملية "موندراكون" التي أعلن عنها الحرس المدني الإسباني في أغسطس الجاري, لتسلط الضوء على شبكة دولية ارتبطت بضبط أكثر من 21 طنا من الكوكايين في عمليات جرت خلال عام 2024 في البرازيل والإكوادور وموانئ مالقة والجزيرة الخضراء وفالنسيا.
والأهم في الملف أن الفرع الرئيسي في الشبكة ضم, وفقا للمعطيات الرسمية, مواطنين مغربيين تولوا إنشاء شركات لإضفاء غطاء قانوني على استيراد الحاويات وإخفاء المخدرات داخل شحناتها. ولم تتوقف الأدوار المغربية عند الجانب اللوجستي, إذ أظهرت التحقيقات أن أفرادا مغربيين كانوا جزءا من هيكل شبكة توزعت مهامها بين الشركات والتهريب والتمويل.
وفي الجانب المالي, تولى مستثمرون مقيمون في الإمارات ضخ الأموال في الشركات الإسبانية لتمويل العمليات, فيما انتهت العملية بتوقيف 43 شخصا وضبط نحو مليون يورو نقدا في إسبانيا.
وفي إحدى القضايا التي تناولتها "إل باييس", فحص المحققون 478 حسابا مصرفيا وأكثر من 228 ألف حركة مالية بين 2022 و2024, بقيمة تجاوزت 532 مليون يورو, فيما ارتبط الملف بأكثر من 8.6 مليون يورو يشتبه في غسلها. وهكذا تتحول العائدات الناتجة عن المخدرات إلى شركات وحسابات واستثمارات قادرة على إعادة تمويل النشاط من جديد.
ومن هنا تبرز مسؤولية سلطات المخزن بوضوح, لأن استمرار إنتاج الحشيش وتدفق عائداته يوفر للشبكات قاعدة مالية تسمح لها بتوسيع نشاطها وعلاقاتها الإجرامية خارج المغرب. ولا يتعلق الأمر بحالات فردية معزولة, بل بمواطنين مغربيين يظهرون داخل هياكل إجرامية تتولى فيها الأدوار التجارية واللوجستية والمالية, وفق ما أظهر ته التحقيقات الإسبانية.
وهكذا, لا يتعلق الأمر بعجز عابر, بل بمنظومة يغذيها تواطؤ المخزن وتستره وغض الطرف عن مجرمين مغربيين ذوي سوابق عدلية ومطلوبين لدى "الإنتربول", وجد بعضهم ملاذا آمنا داخل المملكة. ومع استمرار تدفق أموال المخدرات واتساع نشاط الشبكات في الخارج, تتحول سياسة التغاضي إلى غطاء يحمي اقتصادا موازيا ويمنحه القدرة على الاستمرار.

