يحتضن المتحف العمومي الوطني "الباردو" معرضا بعنوان "صنعة الإبرة" يسلط من خلاله الضوء على مجموعته الإثنوغرافية الخاصة باللباس التقليدي الجزائري ويحتفي بمهارات وعراقة الحرف التقليدية الجزائرية الأصيلة المرتبطة بفن التطريز الذي يزين الأزياء الجزائرية العريقة.
ويروي هذا المعرض الذي يتواصل إلى غاية نهاية يونيو المقبل، قصة فن التطريز كأحد أرقى مظاهر الحرف التقليدية في الجزائر، من حيث أصوله وخصائصه الجمالية وأشكاله الأنيقة التي تزين اللباس التقليدي الجزائري عبر مختلف المدن الجزائرية، كما يقدم قراءة في تنوع الأساليب والزخارف والرموز التي أسهمت في تشكيل هوية النسيج الجزائري.
ويقول مدير المتحف، زهير حريشان، إن هذا المعرض "فرصة لإبراز غنى التراث الجزائري في مجال التطريز، بوصفه فنا أصيلا يجمع بين الجمال والدقة"، خصوصا أنه "يعكس هوية ثقافية متجذرة عبر العصور".
ويؤكد المتحدث في هذا الصدد على دور المتاحف الوطنية في حفظ التراث ونقله والدفاع عن الهوية الوطنية، ذلك أن دورها "لا يقتصر فقط على عرض التراث، بل ويسهم أيضا في نشر الوعي بين المواطنين بأهمية الحفاظ على الموروث الثقافي من تحف وأزياء وعدم التفريط فيه والعمل على صونه عن طريق التعاون مع المتاحف"، لافتا في هذا السياق إلى أن "بعض الأسر الجزائرية في السنوات الأخيرة منحت تبرعات وهبات لمتحف الباردو، بهدف المساهمة في حفظ الذاكرة الجماعية وصيانتها للأجيال القادمة".
ويتيح المعرض للزوار، وبأسلوب تاريخي وعلمي مشوق، نماذج أصلية ولوحات إرشادية ووسائط سمعية بصرية تأخذهم في رحلة عبر عالم التطريز الجزائري الذي امتزج بأجود أنواع الأقمشة ليشكل على أيدي نساء ماهرات تحفا فنية تتناقلها الأجيال بفخر واعتزاز.
وتكشف المعروضات عن القيمة الفنية العريقة للحرف التقليدية الجزائرية، من خلال تنوع الألوان وروعة الأشكال المزخرفة بخيوط الحرير والمعادن النفيسة، حيث تمتاز هذه الحرف بجمعها بين المهارة والدلالات الرمزية، مع تحقيق انسجام متوازن بين الجانب الوظيفي والبعد الجمالي، وهو ما يجعلها تعبر عن ثراء ثقافي ساهم في تعزيز حضور الجزائر ضمن فضاءات الإبداع الحضاري عبر العالم.
ومن بين ما يبرزه المعرض "القفطان"، حيث يضم "الباردو" قرابة 20 قطعة من القفطان الجزائري يرجع تاريخ أغلبها إلى ما بين نهاية القرن الـ 19 وبداية القرن الـ 20 من مختلف مناطق الوطن، كما يسلط الضوء على قندورة الشرق الجزائري التي ترتديها المرأة مرفقة بالشاشية ومحزمة اللويز والقلادة التقليدية، وهذا من خلال العديد من نماذجها المتنوعة على غرار "قندورة الشعرة" و"قندورة الفتلة" و"قندورة المجبود".
ويبرز أيضا "البلوزة"، التي تم مؤخرا الإعلان عن إيداع ملف ترشيحها الرسمي لإدراجها كتراث عالمي، والتي تجسد أناقة اللباس في المدن الكبرى في غرب الجزائر، إلى جانب "الكاراكو" بعناصره المميزة، مع تقديم نموذج أصيل من هذا الزي العاصمي يعود إلى سنة 1930.
كما يشكل المعرض فرصة لإعادة استكشاف أدوات تقليدية ارتبطت بفن التطريز على غرار "النول" الخشبي المعروف بـ "القرقاف" الذي يستخدم لشد القماش وتسهيل العمل في مجال التطريز، إضافة إلى "الطنيبر" لتثبيت الأقمشة و"الرشام" الذي يضم نماذج زخرفية معقدة، كما يفصل أيضا في أنواع الغرز المستعملة على مر العصور في الطرز الجزائري، منها غرزة "الزليج" وغرزة "المطرحة" وغرزة "المنزل"، علاوة على "الشبيكة"، وكذا التطريز بخيوط الذهب بتقنية الفتلة والشعرة والمجبود.

