مع توسيع نطاق التحقيق القضائي الإسباني في أحداث سبتة، بدأ الخناق يشتد على نظام المخزن بعدما كشفت معطيات استخباراتية عن علم السلطات المغربية المسبق بالتدفق الجماعي للمهاجرين، فيما تواصل القاضية ماريا تاردون جمع الأدلة لتحديد ملابسات ما جرى ومسؤولية الجهات المعنية.
وذكرت صحيفة "إل باييس" الإسبانية، اليوم الاثنين، أن القاضية بالمحكمة الوطنية وسعت نطاق التحقيق، مطالبة الجيش الإسباني بتسليم جميع تقارير الاستخبارات والأمن المنجزة بين 15 يوليو و7 أغسطس الماضيين. كما استدعت ثلاثة مسؤولين من حكومة سبتة المحلية وثلاثة عناصر شرطة كانوا حاضرين عند الحدود خلال الأحداث.
وتشمل الإجراءات الجديدة، وفق الصحيفة، جمع تسجيلات كاميرات المراقبة والطائرات المسيرة وأنظمة الرصد العسكرية والأمنية، إلى جانب وثائق الاجتماعات التي سبقت الواقعة.
وتأتي هذه الخطوات امتدادا لتحقيق يسعى إلى تفكيك ظروف دخول عشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة يومي 30 و31 يوليو الماضيين وتحديد الجهات التي نسقت التحركات أو وفرت لها الدعم اللوجستي والمالي. وأوضحت "إل باييس" أن القاضية طلبت كذلك تحديد هوية مخبر مغربي قدم معلومات مسبقة عن التحركات واستعادة تقارير استخباراتية، من بينها تقرير حذر من الدخول الجماعي لكنه وصل متأخرا.
وفي تطور أكثر إحراجا للرباط، كشفت الصحيفة أن المركز الوطني للاستخبارات الإسباني أكد، في تقرير رفعه إلى القاضية، أن سلطات المخزن كانت على علم مسبق بالتحركات المرتقبة وبالدعوات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي لحشد أعداد كبيرة من الأشخاص باتجاه سبتة.
ووفق التقرير، أرسلت في 29 يوليو الماضي رسالة تحذير عاجلة إلى جهازي الاستخبارات المغربيين الداخلي والخارجي، تضمنت معلومات عن حجم التحرك وتوقيته. وبحسب "إل باييس"، حمل التقرير الاستخباراتي السلطات المغربية مسؤولية عدم احتواء التدفق رغم معرفتها المسبقة به.
كما أشار إلى أن التدابير المغربية الأكثر تشددا لم تبدأ إلا بعد بلوغ عمليات العبور ذروتها، بما في ذلك توقيف مجموعات ونقل مهاجرين بعيدا عن المنطقة الحدودية. وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها من كونها تستند إلى وثيقة رسمية أعدت استجابة لطلب قضائي، لا إلى مجرد تقديرات سياسية أو اتهامات متداولة.
وكانت القاضية تاردون قد ذهبت أبعد من ذلك في قرارها الأخير، إذ نقلت "إل باييس" عنها قولها إن التحقيق أظهر "تدبيرا واضحا لا لبس فيه ساهم في تسهيل العملية انطلاقا من الأراضي المغربية".
واستندت القاضية إلى تقرير للشرطة الإسبانية تحدث عن تساهل عناصر الأمن المغربي وعن قيام بعضهم، وفق ما ورد في التقرير، بتوجيه أشخاص نحو مسارات العبور. كما اعتبرت أن الحشد بهذا الحجم يصعب تفسيره من دون البحث في الموارد المالية والمادية والجهات التي أسهمت في تحريكه.
وموازاة مع ذلك، برزت قضية دخول سفن حربية مغربية المياه الإسبانية قرب سبتة خلال الفترة نفسها. وذكرت "إل باييس" أن تقرير الاستخبارات الذي سلم إلى القاضية لم يتناول هذه الواقعة، رغم تزامنها مع تدفق المهاجرين، فيما طلبت جهات تمارس الادعاء الشعبي توسيع التحقيق ليشمل ظروف دخول السفن والاتصالات العسكرية والدبلوماسية المرتبطة بها. وكان رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، قد أكد وجود تحركات عسكرية مغربية في المياه الإسبانية.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع الفجوة بين الصورة التي تسعى الرباط إلى تكريسها بوصفها شريكا أمنيا موثوقا لأوروبا، وبين المعطيات التي باتت موضع فحص قضائي بشأن تعامل أجهزتها مع تحركات حدودية استثنائية.
فالمسألة لم تعد محصورة في إخفاق أمني عابر، بل باتت تتعلق بتوقيت الاستجابة للتحذيرات وطبيعة القرارات المتخذة ومدى التزام السلطات بمسؤولياتها في منع تعريض حياة البشر للخطر. وبهذا، يواجه المغرب اختبارا يتجاوز إدارة الحدود إلى مصداقية الدولة نفسها: فلا يمكن للرباط أن تطالب أوروبا بالثقة في شراكتها الأمنية، بينما تكشف التقارير الرسمية عن معرفة مسبقة بتحرك واسع لم يتم احتواؤه في الوقت المناسب، إذ إن وجود تسهيل متعمد من طرف المخزن، بل وحتى تواطئه وغض طرفه، يعتبر دليلا على انحدار خطير في توظيف السلطة، حين تصبح حياة البشر وتدفقات الهجرة رهينة حسابات سياسية ضيقة وتتحول الشراكة الأمنية إلى واجهة تخفي وراءها ممارسات لا يمكن تبريرها أو التساهل معها.

